أحمد الشرباصي

207

موسوعة اخلاق القرآن

يمنع نفسه أن تهضم حقا ، أو تظلم إنسانا ، أو تأتي فسادا ، ومن هنا قد يسمى الخوف تقوى ، كما قد تسمى التقوى خوفا ، لما بينهما من ارتباط ، فمن أراد التقوى خاف مقارفة الإثم وبعد عنه ، ومن خاف الشيء اتقاه وتجنبه . ومما يتصل بأثر التقوى في العلاقات بين الناس أنها باب لتوطيد المساواة الحقيقية القويمة بين الناس ، ولذلك يرى المرحوم الرافعي أن التقوى هي مصدر النية في المؤمنين باللّه ، فإذا اعتدوا أو ظلموا أو انحرفوا بأهوائهم وشهواتهم ، كان ذلك انصرافا منهم عن اللّه تعالى ، وإهمالا لتقواه ، واستخفافا بزجره ووعيده ، وكأن ضمير أحدهم - إذا لم يحفل بتقوى اللّه - لا يحفل باللّه جل جلاله وعز شأنه وعلا سلطانه ، ومتى بلغ الإنسان هذا الدرك الوبيء الدنيء ، فقد تكبر وتجبر وتعجرف ، وكان عدوا للمساواة بين الناس ، وكأننا بالقرآن المجيد يشير إلى ذلك حين يقول : « يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ » . فالآية الكريمة تقرر المساواة الطبيعية حين تذكر أن الجميع مخلوقون من ذكر وأنثى ، وأشارت إلى أن الغاية الاجتماعية للناس بشعوبهم وقبائلهم هي التعارف ، والتعارف السليم مجمع للفضائل ، وهو يؤكد المساواة والأخوة الإنسانية ، وأساس التفضيل هو التقوى ، فأكرم الناس الذين تساووا في الحالتين الفردية والاجتماعية هو أتقاهم ، أي أحسنهم أخلاقا ، لا أوفرهم مالا ، ولا أحسنهم حالا ، ولا أكثرهم رجالا ، ولا أثقبهم فهما ، ولا أوسعهم علما ، ولا أشدهم قوة . * * [ التقوى تستلزم الإيمان باللّه ] والتقوى تستلزم الإيمان باللّه ، وفهم كتاب اللّه ، ومعرفة هدي رسول اللّه ، ودراسة سير الصالحين من عباد اللّه ، والاهتداء بهذا كله لوجه اللّه . ولذلك يقول الإمام محمد عبده : « التقوى أن تقي نفسك من اللّه : أي من غضبه وسخطه